حين يدير الهواة مصالح الناس

 المطامر لا تحلّ مشكلة النفايات، كما أن زيادة إنتاج الغذاء لا تحل مشكلة الجوع. ومع أن الاثنتين جزء من الحل، إلا أنهما مثال على المعالجات الجزئية التي تحمل في طياتها بذور مشكلات أكبر. وإذا كان السبب انعدام الفهم الشامل والتحليل المتكامل لأمور في غاية التعقيد، فالمصالح التجارية تساهم في تشجيع هذا النمط من المعالجة، الذي يوجد فرصاً لجني أرباح سريعة.

من الخرافات التي تم ترويجها عن طريق بعض هواة البيئة أن «النفايات ثروة». هذه النظريات شجعت على زيادة كمية المخلفات وتفاقم المشكلة. صحيح أنه يمكن الاستفادة من بعض مكوّنات النفايات عن طريق التدوير وإعادة الاستعمال، لكن المطلوب أولاً تخفيف إنتاج النفايات من المصدر، باعتماد تدابير جدية لا مبادرات استعراضية. فتقليل استخدام أكياس البلاستيك في السوبرماركت يكون بفرض سعر وضريبة عليها، فيحمل المتبضع كيسه أو حقيبته معه، لئلا يدفع الثمن. وتقليل كمية العبوات البلاستيكية والزجاجية في النفايات يكون باعتماد آلية التسعير والاستبدال، فيسترجع الشاري سعر العبوة الفارغة حين يعيدها إلى السوبرماركت لاستعمالها مرة أخرى. والمعروف أن عبوات المياه والمشروبات الغازية والأكياس البلاستيكية المستعملة تشكل القسم الأكبر من حجم النفايات العربية. كما يتم وضع سعر لرمي المخلفات مثل الأثاث والأدوات المنزلية، بحسب الوزن والنوع، لتشجيع المستهلك على إعادة الاستعمال. أما ما يتبقى، فتتم معالجته بمجموعة متكاملة من التدابير، منها تحويل المواد العضوية إلى أسمدة، والحرق والطمر.
نظرية أن «النفايات ثروة» تصح فقط حين يكون التلويث مجانياً، وإعادة الاستعمال والتدوير عملية انتقائية تقتصر على المخلّفات السهلة والمرتفعة الثمن، مثل المعادن، ورمي ما تبقّى من مواد سامة وضارة لا قيمة تجارية لها في المكبات العشوائية أو المطامر. ولأن المعالجة المتكاملة الصحيحة مكلفة، فالحل يبدأ بتقليل الكمية من المصدر وإعادة الاستعمال والتدوير، وحصر المعالجة بما تبقّى، أكان حرقاً أم تسبيخاً أم طمراً، أو الثلاثة معاً. وإذا كانت بلدان عربية كثيرة بدأت بتطبيق برامج متكاملة لإدارة النفايات عن طريق العلم والسياسات الرشيدة، فالمؤسف أن مجموعة من الهواة ما زالت تدير هذا الملف الخطير في بعض البلدان، اعتماداً على تجارب تقود من كارثة إلى أخرى.
حصر مشكلة النفايات بالسعي إلى مزيد من المطامر والمحارق يوازي حصر مشكلة الجوع والأمن الغذائي بالبحث عن مصادر جديدة للغذاء. صحيح أنّ تغيّر المناخ سيؤدي إلى انخفاض إنتاج الغذاء في مناطق كثيرة من العالم، لكنّ مشكلة الجوع ليست ناتجة أساساً عن تغيّر المناخ، بل عن عدم قدرة بعض البلدان والمجتمعات الفقيرة على مواجهة هذه الآثار.
التلطي بالعوامل المناخية والكوارث الطبيعية كحجة لتغطية التقصير في نواح أخرى ليس جديداً. فحين ضربت المجاعة المستعمرات البريطانية في القرن التاسع عشر، تم حصر الأسباب في الجفاف والطقس السيئ، بينما السبب الرئيسي كان في أنظمة الإدارة السيئة، التي جعلت بعض المناطق أكثر حساسية وتأثراً بالعوامل الطبيعية.
التاريخ يعيد نفسه اليوم، إذ نتحدث عن أنّ تغيّر المناخ هو نتيجة للنشاطات البشرية، وهو يتسبب بخفض إنتاج الغذاء، بينما ننسى أن الجوع أيضاً هو من صنع الإنسان، بسبب سوء الإدارة والتوزيع غير العادل للغذاء. ويُذكر أن تقارير عدة تؤكد أن هناك كمية كافية من الغذاء متوافرة لجميع سكان العالم، لكن المشكلة هي في عدم عدالة التوزيع وتأمين حصول الناس على ما يحتاجونه من غذاء. فزيادة إنتاج الغذاء، بمعزل عن تأمين عدالة التوزيع وحق الناس بالتغذية، لن تُطعم الجياع.
القبول بمبدأ أن هناك حاجة إلى كميات إضافية من الغذاء لمواجهة تغيّر المناخ يقود إلى المطالبة باعتماد أساليب جديدة للإنتاج، في طليعتها المحاصيل المعدّلة وراثياً التي تتحمل الجفاف والأمراض. وهنا لبّ المشكلة، إذ إنّ شركات كبرى تحتكر بذور هذه المحاصيل، ما يجعل الحصول عليها حكراً على الذين يستطيعون تحمّل ثمنها. وهذا لن يحل مشكلة الجوع، بل يزيد من أرباح بعض الشركات الاحتكارية، التي تتصيد الفرص، من الغذاء إلى النفايات.
الحل يبدأ، في كلتا الحالين، بتعديل أنماط الاستهلاك. في موضوع النفايات لا بد من تقليل الكمية من المصدر، بالحد من الهدر واستخدام منتجات قابلة للتدوير وإعادة الاستعمال. وقبل اعتماد محاصيل معدّلة وراثياً تحتكرها شركات قليلة بأثمان مرتفعة، من الأجدى تحسين كفاءة الإنتاج وعدالة التوزيع، وصولاً إلى تعديل العادات الغذائية، بالتحوُّل إلى محاصيل بديلة يتطلب إنتاجها كمية أقل من المياه.
الاستهلاك المستدام سيكون موضوع التقرير الشامل الذي يصدره المنتدى العربي للبيئة والتنمية في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل. وهو يتزامن مع إعلان نتائج استطلاع للرأي العام حول أنماط الاستهلاك في 22 بلداً عربياً. وسيُظهر التقرير أن إدارة البيئة تبدأ في التصدي لمسببات المشكلة لا في المعالجات الظرفية للنتائج.
نجيب صعب
لا يقوم العدل الا بتأمين العدالة وتوفير الاجهزة التي تقوم بتحقيق هذه العدالة      التعصب هو مصيبة الدنيا وآفة الدين ومهلكة الانسان      نحلم بسياسيين ورجال دولة همّهم الوحيد تنظيم هذه الدولة لا تفكيك عرى انتظامها وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية      نحلم بالمسؤول الذي يتجرأ على توقيف كل لبناني يقوم بتحريض طائفي      رجل الدولة الحقيقي يجب ان تكون له دائماً عين على المبادئ يستلهم منها مواقفه وتصرفاته وعين اخرى على الواقع المحيط بتطبيقها      المطلوب ان تتحول المؤسسات الاقتصادية الى مؤسسات انسانية لأن "الاقتصاد" في النهاية ليس غاية بل وسيلة لتحقيق الانسان      لا حرية لمواطن فيما ينتقص من حرية الاخرين المشروعة      لا يهمني ان يقول الناس انهم تركوا كمال جنبلاط وحده، اعتزازي هو انني كنت ولا أزال دائماً وحدي، ولم ادخل يوماً في سياق آكلي الجبنة السياسية
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous