المفاعيل السياسية للنزوح من العراق وسوريا على الاوضاع في الشرق الاوسط

 ابدأ بالشكر الجزيل لرابطة اصدقاء كمال جنبلاط و لرئيسها معالي الاخ عباس خلف للدعوة الكريمة لحضور هذا المؤتمر الهام، كما اشكر مؤسسة فريدريش ايبرت لمشاركتها برعاية هذا المؤتمر.

لقد تحدث معالي الوزير جورج قرم عن اسباب و ملابسات و تدخلات النزوح من العراق و سوريا باسهاب، و اخترت اليوم تسليط الضوء على بعض ما يعني هذا النزوح بالنسبة لدول المنطقة و مستقبل المنطقة نفسها .

الاستخلاص الاول من هذا النزوح هو انهيار اي مفهوم للهويات الوطنية الجامعة في دول الهلال الخصيب لصالح الهويات الفرعية المتعددة. لا بد من الاعتراف بأن غالبية المجتمعات العربية لم تول موضوع المواطنة ما يكفي من الاهتمام.  صحيح ان العديد من الدول العربية الحديثة هي نتاج حدود اصطناعية رسمت من الغرب بدأ من اتفاقية سايكس بيكو عام 1916، ولكن صحيح ايضا ان ما يقرب من مائة  عام مرت على هذه الاتفاقية دون ان تبذل هذه الدول ما يلزم لتطوير مفهوم حداثي للمواطنة يصهرعلى سبيل المثال لا الحصر  العربي السني و الشيعي و المسيحي كما الكردي ضمن وعاء اسمه العراق يحتوي الجميع و يحتفي بهم، او الماروني و الارثودكسي و السني و الشيعي و الدرزي في وعاء لبناني، او العلوي و الدرزي و الكردي و السني و المسيحي و الارمني في وعاء سوري.

لم تفعل الدول الناشئة بعد الاستقلال ايا من هذا، فلا هي طورت نظما تعليمية تنمي في ذهن النشء قيم التعددية و التسامح و قبول الاخر، و لاهي طورت مفاهيم ترسخ الانتماء للوطن و سموه عن اي انتماء آخر. و في الكثير من الاحيان، استغلت معظم  الدول الاختلافات العرقية و الدينية بين مواطنيها لبث الفرقة و احكام السيطرة على المجتمع بحجة المحافظة على الاستقرار. اليوم يدفع العالم العربي الثمن،  و قد اثبتت الاضطرابات التي نراها في هذه الدول اليوم ان هذا الاستقرار كان زائفا و مفروضا بالقوة بدلا ان يكون استقرارا طبيعيا ناتجا عن تطوير متدرج لما تعنيه المواطنة الحقة من حقوق و واجبات.  ما كان الاخ لينهش اخيه في العراق او سوريا او غيرها من الدول لو انه ترعرع على احترامه و النظر اليه  كمواطن شريك في الوطن لا خصم ينازعه على هذا الوطن.

الاستخلاص الثاني انه في حين غابت التعددية السياسية عن معظم ان لم اقل كل الدول العربية ، كان هناك قدر معقول و ان لم يكن كاملا من التعددية الدينية في دول الهلال الخصيب و بالاخص في سوريا و العراق.  الا ان غياب التعددية السياسية في هذه الدول التي حكمتها انظمة دكتاتورية لعقود طويلة طال في النهاية التعددية الدينية.  الحكم المطلق بقوة السلاح و غياب انظمة تربوية تعلم النشء احترام الاخر و تعظم القواسم المشتركة بين الاديان ادى في النهاية لمثل هذا النزوح هربا من بطش الانظمة او اقصائيتها كما من بطش المجموعات المسلحة الهمجية كداعش.  تداعيات هذا النزوح لبعض مكونات المجتمع الدينية خطيرة، اذ من غير المحتمل ان يرجع المسيحيون و الازيديون لبيوتهم حتى و ان تمت استعادتها من قبل الحكومة العراقية.  لقد احدثت اقصائية داعش كما اقصائية المالكي شرخا في المجتمع العراقي بل و في المنطقة من الصعب اصلاحه بسهولة.  ننتقد اسرائيل لانها تحاول ترسيخ مفهوم الدولة النقية عرقيا بينما يحاول البعض منا فعل الشىء ذاته في سوريا و العراق. ان الانتهاء بدول احادية العرق او الدين في المنطقة سيجلب لنا مزيدا من الدمار لانها ستتقاتل فيما بينها و لان المجتمعات الحية المتجددة مجتمعات تعددية فيما تقتل المجتمعات الاحادية الابتكار و التجديد.

الاستخلاص الثالث ان قوى كداعش لا تخلق من فراغ.  لم تكن داعش لتتمدد جغرافيا و عقائديا بهذا الشكل لو لم تكن هناك ارضية خصبة تتيح لها هذا التمدد. المكون السني تحديدا في كل من العراق و سوريا عانى طويلا من بطش و اقصائية الحكومة المركزية في بغداد و النظام السوري في دمشق، و لولا ذلك لما استطاعت داعش تحقيق مثل هذه الانتصارت العسكرية و بوقت قياسي.  و من الخطير ان داعش اصبحت لدى البعض بؤرة جاذبة للكثيرين ممن يشعرون بالقهر او التهميش من حكوماتهم، او من البعض من الجيل الجديد الذي يشعر بانسداد الفرص امامه.  داعش تمثل اليوم تهديدا ثقافيا حقيقيا للقيم الدينية و الحضارية للمجتمعات العربية، و يجب الاعتراف ان هذه الظاهرة نتيجة للفشل الجماعي للسياسات الاقصائية و الاقتصادية و نظم التعليم في تطوير مجتمعات مستقرة مزدهرة تعددية، تحترم المكونات الدينية و العرقية و الثقافية كافة فيها.  و بالتالي، فان التصدي الامني و العسكري لهذه الظاهرة لا يكفي ان لم ترافقه ارادة سياسية لتحقيق تغيير حقيقي في مجمل النهج السياسي و الاقتصادي باتجاه المشاركة في صنع القرار و النمو الادماجي و العيش المشترك. فكر داعش التكفيري العنفي الاقصائي يجب ان يجابه بفكر تنويري سلمي ادماجي.

لقد اثر النزوح السوري بشكل خاص على لبنان و الاردن اكثر من اي دول اخرى.  ففي حين تستطيع دولة مثل تركيا تعدادها اكثر من ثمانين مليونا استيعاب مليون و ستمائة الف سوري، يوجد في لبنان اليوم اكثر من مليون و مائتي الف لاجئ سوري في بلد تعداده اربع ملايين، و اكثر من مليون و اربعمائة الف سوري في الاردن في بلد تعداده سبعة ملايين.  لقد كثر الحديث عن التحديات الامنية و الاقتصادية لوجود هذه الاعداد الضخمة في بلدين يعانيا من موارد محدودة، و لكن هناك تحديا صارخا في كلا البلدين لا يتم الحديث عنه صراحة اليوم يتعلق بالهوية الوطنية لكلا البلدين.  التوازن الطائفي في لبنان موضوع في  غاية الحساسية، و كان لبنان و ما زال حساسا من وجود اربعمائة الف لاجيء فلسطيني يؤدي توطينهم لاختلال هذا التوازن.  فكيف يتم التعامل مع اللاجئين السوريين خاصة ان معظمهم من الطائفة السنية و  ان كل الدلائل تشير الى استحالة عودتهم في وقت قريب.  في الاردن هناك وضع حساس ايضا.  ففي حين اعطي معطم اللاجئين الفلسطينيين جنسية اردنية قبل اكثر من ستين عاما، لا زالت الاوساط السياسية غير قادرة او راغبة في حسم سؤال من هو الاردني، فاذا اضيف الى ذلك اكثر من مائتي و خمسين الف لاجئ عراقي لم يرجعوا لبلادهم حتى اليوم، و مليون و اربعمائة الف سوري من غير المتوقع عودتهم في وقت قريب، يمكن تقدير التحدي الذي يواجهه الاردن في هذا المجال ايضا.

 

لا شك ان لبنان و الاردن تحملا اكثر من طاقتهما بكثير من ناحية فتح حدودهما لللاجئين السوريين و الى   درجة اقل   لللاجئين العراقيين ايضا.  و لكن قدرة البلدان على استيعاب المزيد محدودة للغاية  دون التعرض لمشاكل كبيرة في هذا المجال.  باعتقادي ان المجتمع الدولي لم يتحمل  مسؤوليته الكاملة هنا.  فالمساعدات الدولية لا تزال قاصرة عن تلبية احتياجات الدولتين اضافة الى ان هذه المساعدات لا تستطيع سدالعجز المائي مثلا في الاردن.  لا تستطيع البنية التحتية تلبية احتياجات اللاجئين من صحة و تعليم و غيرها بالرغم من كافة المساعدات المقدمة.  و بالرغم من ذلك تتواصل الضغوط الدولية لابقاء الحدود مفتوحة تاركين للبنان و الاردن تحمل تبعات ذلك، بينما لا تقبل دولة كفرنسا سكانها حوالي سبعين مليونا اكثر من خمسة الاف لاجيء.

يبقى التحدي الاكبر اثر النزوح السوري على سوريا نفسها.  هناك اكثر من ستة ملايين و نصف نازح داخل سوريا نفسها بما يعني ان حوالي نصف الشعب السوري اصبح لاجئا او نازحا.  هذه اعداد خطيرة و غير مسبوقة منذ ان تم تهجير الشعب الفلسطيني من الاسرائيليين عام 1948.  يعني ايضا نشوء جيل سوري غير متعلم و عرضة للتطرف و العنف.  لقد فقدت سوريا حتى اليوم جيلا او اكثر من التنمية حتى لو انتهت الحرب اليوم و ليست هناك اية مؤشرات انها ستنتهي قريبا.  الا ان النزوح السوري و العراقي ينذر بامكانة تحول مناطق كاملة داخل البلدين لكيانات مذهبية او عرقية بما يهدد ليس فقط مستقبل  التعددية الدينية و الثقافية و السياسية في المنطقة، و لكن ايضا امكانية بلورة نظم سياسية و اقتصادية تحقق الاستقرار و الازدهار المستدامين.  غياب التعددية يعني بالضرورة التناحر و قتل الابداع و خمول المجتمعات و عدم تجديدها. و بالنسبة لسوريا و العراق و ربما المنطقة، فانه يعني ايضا التطرف و العنف الذي سيأخذ عقودا لمعالجته حتى و ان تم الوصول لتسوية سياسية قريبة.

هذا هو التحدي الذي يواجه المنطقة، و لا يبدو حتى اليوم انها ترقى لمواجهته.  المجتمع الدولي غير راغب او قادر على ايجاد تسوية سلمية، و النظام السوري لا يبدو راغبا حتى في النظر جديا لمقترح الامم المتحدة الاتفاق على هدنة على الاقل لايقاف هذا النزيف الهائل،  بينما تنغمس دول المنطقة في مصالحها الضيقة دون محاولة جدية تجمع دولا كالسعودية و تركيا و ايران و قطر و غيرها لمحاولة الوصول الى حل.  لا تبدو السعودية و تركيا مثلا قادرتين على تجاوز خلافاتهما حول موضوع الاخوان المسلمين لمحاولة ايجاد حل للازمة السورية، و ينطبق هذا على الخلاف السعودي الايراني، بينما لا يزال سابقا لاوانه الحكم فيما اذا كان التقارب السعودي القطري الاخر سيؤثر ايجابا على الازمة السورية.  للاسف ما يعنيه هذا حتى الان  هو استمرار النزيف السوري بشكل خاص و العراقي ايضا لفترة من الزمن مع كل ما يعني ذلك من نتائج كارثية لكلا البلدين و للمنطقة.

بعد حوالي اربعة اعوام من بدء الثورات العربية، فان هناك نموذجان واضحان لما يمكن ان تؤول  اليه هذه الثورات.  اتبعت تونس نموذجا تشاركيا شمل كافة فئات المجتمع، و حكمت القوى الرئيسية فيها البلاد بالتوافق، مما انتج دستورا توافقيا حظي على درجة عالية من الرضى الشعبي، دستورا غلب الهوية الوطنية  التونسية على اية هوية فرعية، و اعطى للمرأة حقوقا كاملة غير منقوصة، و ثبت مبدأ التداول السلمي للسلطة كما اثبتت ذلك الانتخابات الاخيرة، فتم وضع البلاد على خطى ثابتة نحو الاستقرار و الديمقراطية و الازدهار. فيما شاءت سوريا و العراق الحكم الاقصائي المنفرد  و عدم الاكتراث لمكونات المجتمع و تشجيع الهويات الفرعية و  البطش بالناس لمجرد البقاء بالحكم ما انتج ثورات ضد الاستبداد انتهت بظهور قوى متطرفة همجية و نزوح غير مسبق و دمار حسي و ثقافي يحتاج لعقود من الزمن لعكسه.  طريق الخلاص واضحة، فهل بامكان دول المنطقة، و هي من اعتادت الاستئثار بالحكم اتباعها؟

الوزير السابق الدكتور مروان المعشر 

لا يقوم العدل الا بتأمين العدالة وتوفير الاجهزة التي تقوم بتحقيق هذه العدالة      التعصب هو مصيبة الدنيا وآفة الدين ومهلكة الانسان      نحلم بسياسيين ورجال دولة همّهم الوحيد تنظيم هذه الدولة لا تفكيك عرى انتظامها وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية      نحلم بالمسؤول الذي يتجرأ على توقيف كل لبناني يقوم بتحريض طائفي      رجل الدولة الحقيقي يجب ان تكون له دائماً عين على المبادئ يستلهم منها مواقفه وتصرفاته وعين اخرى على الواقع المحيط بتطبيقها      المطلوب ان تتحول المؤسسات الاقتصادية الى مؤسسات انسانية لأن "الاقتصاد" في النهاية ليس غاية بل وسيلة لتحقيق الانسان      لا حرية لمواطن فيما ينتقص من حرية الاخرين المشروعة      لا يهمني ان يقول الناس انهم تركوا كمال جنبلاط وحده، اعتزازي هو انني كنت ولا أزال دائماً وحدي، ولم ادخل يوماً في سياق آكلي الجبنة السياسية
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous