كلمة الاستاذ عباس خلف في افتتاح المؤتمر السنوي الرابع لرابطة اصدقاء كمال جنبلاط

 ايها السيدات والسادة

اهلا وسهلا بكم تلبون دعوة "رابطة اصدقاء كمال جنبلاط" لحضور مؤتمرها السنوي لعام 2014 الذي تنظمه بالتعاون مع مؤسسة فريدريش ايبرت – مكتب لبنان. واتمنى للضيوف القادمين من الخارج طيب الاقامة في ديارنا.

اسمحوا لي  بدايةً ان اشير الى رمزية التوقيت الذي اخترناه لمؤتمرنا حيث يتوافق مع ولادة القائد الشهيد كمال جنبلاط، الذي عاهدنا انفسنا السير على خطاه ومتابعة مسيرته من اجل لبنان علماني ديموقراطي تقدمي يتساوى فيه المواطنون في الحقوق والواجبات . وفي الوقت عينه ناضل كمال جنبلاط بثبات وعناد من اجل عالم عربي ديموقراطي متنور يضمن لشعوبه العيش الكريم، ويحقق للشعب الفلسطيني اقامة دولته المستقلة على ارض فلسطين العربية.

في مؤتمر العام الماضي، سلّطنا الاضواء على خطوط التصدع المستجدة في شرق اوسط متغير. وكنا نأمل ان تتكلل الثورات العربية اللاعنفية بالنجاح وتتحقق للشعوب العربية امانيها في الديموقراطية والحرية واحترام الحقوق المشروعة للانسان العربي. ولكن تصلّب الانظمة الديكتاتورية واصرارها على ممارسة سياسة القمع والتدمير والقتل مع شعوبها، سمح لقوى اقليمية ودولية ان تتدخل ، فتعسكرت الثورات في العديد من البلدان، وخاصة في سوريا، حيث دخلت المأساة عامها الرابع والقتل والتدمير الممنهج يتواصل، ولا حلول مقبولة تلوح في الافق. ولهذا، كنا سباقين في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط، في التنبيه الى هذه المخاطر، ونظمنا بتاريخ 24 كانون الثاني 2013، ندوة بعنوان "النازحون من سوريا الى لبنان: مشكلة آخذة بالتفاقم، كيف سنواجهها؟" شارك فيها وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور، والدكتور سامي نادر، والدكتور  ملحم خلف.

يومها، مع الاسف، لم تجد تحذيراتنا آذاناً صاغية، واستمرت المأساة، وازدادت تعقيداً وخطورة، سواء في سوريا ام في العراق. وما حدث ويحدث في مشرقنا العربي يثير الرعب والاشمئزاز ويترك تداعيات امنية وسياسية واقتصادية واجتماعية وصحية وتربوية من الصعب جداً على شعوب المنطقة التصدي لها وتحمل نتائجها.

ومن مراقبتنا لهذه الاحداث وانعكاساتها، ظهر جلياً ان اخطر هذه التداعيات هي حركة النزوح واللجوء من سوريا والعراق بأحجامها المتزايدة وابعادها الخطيرة، والتي اصبحت تشكل اليوم ابرز القضايا التي تواجه دول منطقة الشرق الاوسط وشعوبها، وتشغل المسؤولين في دول العالم في البحث عن حلول لها، لم تعط ثمارها المرجوّة حتى اليوم.

من هنا، كان قرارنا ان نجعل قضية النزوح من سوريا والعراق باسبابها وتداعياتها عنواناً لمؤتمرنا الذي سنشهد فعالياته معكم اليوم. وقد حرصنا على اختيار  نخبة من اهل المسؤولية والاختصاص والخبرة، ومن كانت لهم بحكم مواقعهم ومسؤولياتهم قدرة على تسليط الضوء على ناحية من نواحي القضية موضوع المعالجة، ومحاولة تقديم اقتراحات وحلول من شأنها  المساعدة في الحد من المخاطر والتداعيات، وربما معالجة الاسباب التي كانت وراء نشوب ازمة النزوح.

وكما تلاحظون من البرنامج الذي بين ايديكم، لقد قسّمنا الموضوع المطروح للمعالجة الى ثلاثة محاور، وذلك بهدف تمكين المشاركين من الاحاطة بمختلف النواحي المفترض تسليط الضوء عليها.

ففي المحور الاول الذي اعطيناه عنوان: "التداعيات الاجتماعية  والامنية والديموغرافية للنزوح من سوريا والعراق على لبنان والتركيبة السكانية فيه" سوف تتم معالجة التداعيات المترتبة عن هذا النزوح على الاوضاع في لبنان.  فعلى الصعيد الاجتماعي لابد من استعراض المظاهر وتحليل المسببات، وتحديد الانعكاسات والتداعيات ، ومحاولة اقتراح الحلول المناسبة لمواجهتها، وخاصة على صعيد العمالة  والخدمات الصحية والتعليمية والاجتماعية.

وعلى الصعيد الديموغرافي، استنادا الى المعطيات القائمة عليها التركيبة السكانية اللبنانية من توازن حساس، ومع الاخذ بالاعتبار ضيق المساحة ، وانعدام القدرة على استيعاب  مثل هذه الاعداد من النازحين، تستدعي هذه المشكلة معالجة في العمق واقتراح الحلول الكفيلة بوقف تدفق النازحين ومساعدة لبنان في مواجهة هذه التحديات الوجودية.

وتحتل التداعيات الامنية مكانا بارزاً في هذا المحور، خاصة بعد الذي يتعرض له لبنان حاليا من تهديد يتمثل في الهجمة الارهابية المتطرفة الحاملة افكاراً تكفيرية  ترفض الاخر حتى الافناء ، اضافة الى تزايد عمليات الخطف والاجرام بمختلف اشكاله.

اما المحور الثاني، فقد خصصناه لموضوع "النزوح من سوريا والعراق ومفاعيله السياسية على الاوضاع في منطقة الشرق الاوسط بصورة عامة". ولذلك نرى انه من المفيد جدا تسليط الضوء على الاسباب والملابسات والتدخلات الخارجية التي ترتّبت عليها حركة النزوح من العراق وسوريا الى بلدان الجوار، ودراسة المفاعيل السياسية لهذا النزوح على اوضاع دول المنطقة ومن بينها مستقبل سوريا والعراق.  ولابد من قراءة الاحداث الارهابية التي حصلت في العراق وسوريا  على يد الحركات التكفيرية المتطرفة وانعكاساتها الكارثية على الاقليات الدينية والاثنية في المنطقة. 

وفي المحور الثالث المُعنوَن "النزوح من سوريا والعراق وانعكاساته المالية والاقتصادية على دول الجوار" ستتم معالجة الانعكاسات المالية والاقتصادية الناتجة عن تضخم ظاهرة النزوح، واظهار التأثير السلبي لهذا النزوح على الاردن وتركيا، وخاصة على لبنان، حيث الاعباء التي يتكبدها لا قدرة له على الاستمرار في تحملها.

ولابد من التركيز في هذا السياق على ما هو مطلوب اقليميا ودوليا لمواجهة هذه التداعيات، واتخاذ القرارات العملانية التي تضمن الرعاية اللائقة  لملايين النازحين الذين يعيشون  في ظروف سيئة ، وتؤمن للدول المضيفة المساعدات الكفيلة بتمكينها من مواصلة القدرة على استيعابهم  دون التعرض لانهيارات امنية ومالية واقتصادية.

الاخوة والاخوات الكرام،                 

 ان حجم مشكلة النزوح وآثارها الخطيرة على وجود لبنان كدولة وكيان مستقل وشعب موحد، يتطلب برأينا تنفيذ الخطوات الآتية:

-         اولاً: المبادرة الفورية للقيام باجراءات استثنائية على كافة الصعد الامنية والاقتصادية والتربوية والاجتماعية، تعجز عنها السلطة في وضعها الحالي بسبب شغور مركز رئاسة الجمهورية، رأس الدولة والقائد الاعلى للقوى المسلحة، وغياب مجلس نيابي منتخب بموجب الدستور، والنقص الهائل في عديد وعتاد الجيش والقوى الامنية الاخرى، وفي عدم قدرة الادارة العامة على تأمين الامساك الفاعل بالوضع الامني والاداري والقضائي في ظروف بالغة التعقيد وحافلة بالمخاطر المصيرية. لذلك يتوجب المبادرة فوراً الى انتخاب رئيس توافقي قادر على جمع اللبنانيين وتوحيد القرار الوطني واجراء انتخابات نيابية تؤمن سلامة التمثيل لكافة مكونات الشعب اللبناني.

-         ثانياً: القيام بورشة اصلاحية جدية لتفعيل العمل في كافة ادارات الدولة والتصدي للفساد بمختلف اشكاله مما يمكن الدولة من توفير الامن وتأمين ظروف معيشية افضل للبنانيين والنازحين على حد سواء. وفي هذا السياق لابد من التنويه بالحملة الشجاعة التي اطلقها وزير الصحة المقدام والمبادر وائل ابو فاعور لمكافحة الفساد في الدواء والغذاء والمياه والرعاية الصحية، والتي حفّزت وزراء آخرين لاطلاق حملات مشابهة في وزاراتهم. 

-         ثالثاً: من جهة اخرى لا تزال الخطوات الضرورية لتنفيذ الهبة السعودية لتسليح الجيش وقوى الامن تسير ببطء بينما الظرف الخطير الذي نعيشه  يستدعي سرعة استثنائية في الانجاز. ومن الواضح ان تمكين الجيش وتفعيل قدراته هي الكفيلة لمعالجة التداعيات الامنية المترتبة على مشكلة النزوح ومراقبة الحدود والتشدد بوقف تدفق النازحين. 

-         رابعاً: تجميع النازحين المنتشرين عشوائيا على كافة الاراضي اللبنانية  في مخيمات مسيطر عليها امنياً بشكل صارم، مع ضمان مستلزمات الامن والرعاية الصحية الفورية للمقيمين في هذه المخيمات. 

-         خامساً: متابعة السعي بعناد واصرار مع الجهات الاقليمية والدولية لتأمين التمويل اللازم، اقله ما جرى سابقاً التعهد به في المؤتمرات الاقليمية والدولية. مع التأكيد دوماً على مسؤولية المجتمع الدولي في دعم الدولة اللبنانية للتصدي لمشكلة تفاقمت نتيجة تقصير هذا المجتمع في القضاء على اسبابها ومحاسبة المتورطين في افتعالها وتفاقمها. 

-         سادساً: ولابد اخيرا من بذل الجهود لقيام تعاون وثيق بين السلطة الرسمية والمجتمع المدني للمباشرة  بحملات توعية منظمة بواسطة وسائل الاعلام والتواصل الاجتماعي للتخفيف من حدة الاحتقان الشعبي ورفض الآخر في بعض المناطق، والذي يعود بضرر كبير على العلاقات الاخوية اللبنانية السورية التي نحرص كل الحرص على ديمومتها. 

ختاماً، اوجه الشكر والتقدير لجميع من لبّوا دعوتنا لحضور هذا اللقاء، وللاعلاميين والاعلاميات العاملين في مختلف وسائل الاعلام والتواصل الذين يواكبون فعاليات مؤتمرنا، واخصّ بالشكر والامتنان المشاركين والمشاركات الذين سنستمع اليوم الى ارائهم بكل انتباه.

كما اود ان اشكر العاملين والمتطوعين في رابطة اصدقاء كمال جنبلاط والاصدقاء في مؤسسة فريدريش ايبرت في مكتب بيروت على التعاون لتنظيم هذا المؤتمر.

لا يقوم العدل الا بتأمين العدالة وتوفير الاجهزة التي تقوم بتحقيق هذه العدالة      التعصب هو مصيبة الدنيا وآفة الدين ومهلكة الانسان      نحلم بسياسيين ورجال دولة همّهم الوحيد تنظيم هذه الدولة لا تفكيك عرى انتظامها وتطبيق مبادئ العدالة الاجتماعية      نحلم بالمسؤول الذي يتجرأ على توقيف كل لبناني يقوم بتحريض طائفي      رجل الدولة الحقيقي يجب ان تكون له دائماً عين على المبادئ يستلهم منها مواقفه وتصرفاته وعين اخرى على الواقع المحيط بتطبيقها      المطلوب ان تتحول المؤسسات الاقتصادية الى مؤسسات انسانية لأن "الاقتصاد" في النهاية ليس غاية بل وسيلة لتحقيق الانسان      لا حرية لمواطن فيما ينتقص من حرية الاخرين المشروعة      لا يهمني ان يقول الناس انهم تركوا كمال جنبلاط وحده، اعتزازي هو انني كنت ولا أزال دائماً وحدي، ولم ادخل يوماً في سياق آكلي الجبنة السياسية
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous