ذاكرة الوطن في كل مكوناته

 "تاريخ الموحدين الدروز المعاصر: اصالة وانفتاح وذاكرة للمستقبل" كتاب يصدر قريباً للمرحوم عباس ابو صالح. ننشر في ما يلي معظم تقديم الدكتور انطوان مسرّه للكتاب الذي يعتبره "التجسيد الفكري والتاريخي والعملي لما نحتاج اليه اليوم وغدا انتقالا من التاريخ العلمي- والذي يجب ان يكون علميا – الى الذاكرة المعيشة".

    
تتجاهل غالباً المقاربة التقليدية والسائدة للبناء القومي، من خلال مركز يمتد بالقوة الى كل الاطراف، اشكالية التواريخ المحلية وتواريخ المكونات الدينية والثقافية، املاً من هذه المقاربة السائدة بتحقيق الاندماج الوطني. اما البناء القومي بالمواثيق على نمط الديموقراطيات الاوروبية الصغرى (سويسرا، بلجيكا، النمسا، البلاد المنخفضة) ولبنان وايرلندا الشمالية وافريقيا الجنوبية وجزر فيدجي... فهو يتطلب شمول التاريخ كل مكونات المجتمع المحلية والمناطقية والدينية في سبيل تنمية الادراك النفسي، وبالعمق لاشكالية تكّون الوحدة المشتركة والجامعة. 
تتحول في هذا السياق الوحدة من مجرد شعار الى واقع حياتي معيش. فلا نختزل تالياً تاريخ لبنان بجزء من جبل لبنان، بل نجعله يشمل تاريخ جغرافيا لبنان الكاملة كما هي محددة في الدستور اللبناني وكامل مكوناته الانسانية. ما معنى انتماء اذا كان التلميذ في الفرزل والكورة وبعقلين وكسروان ومرجعيون وبيروت... لا يرى اين هو في تاريخ كل لبنان؟
في لبنان ذاكرات طوائف ليست بالضرورة نزاعية، بل قد تكون متكاملة ونابعة من علم النفس التاريخي المتراكم بسبب موقع كل طائفة جغرافياً وخبراتها التاريخية. أدرك ذلك من خلال خبرتي البيروتية وانتمائي الى مذهب الروم الملكيين الكاثوليك وجذوري الارثوذكسية وربما ايضاً الاسلامية في بعض فروع العائلة. التواصل الاسلامي المسيحي هو الخبز اليومي "لبيارتة" الروم الملكيين الكاثوليك والارثوذكس... الذين عاشوا غالباً في المدن وتعاطوا التجارة وتفاعلوا مع محيطهم اللبناني عامة والعربي. قد يكون الوضع مختلفاً – وليس دونياً – بالنسبة الى طوائف اخرى. فهل نأخذ في الاعتبار كل تواريخنا ونتصالح معها في تناغم مشترك وخلاّق؟
ان تجاهل الذاكرات التاريخية المتنوعة وحساسيات الذهنيات في عمق اللاوعي لدى نقل التاريخ لا يخدم علم التاريخ ولا يخدم الوحدة الوطنية. الخبراء في اثارة الفتنة، داخلياً واقليمياً، يستغلون الذاكرات الفئوية المكبوتة التي لم يتم اخراجها من اللاوعي لمعالجتها وتنقيتها. قد تتكامل عندئذ لبنانية البعض الاطلاقية وعروبة البعض الآخر الاطلاقية في عروبة لبنانية حضارية وليس عروبة السجون.
 
 
***
يتكلم عباس ابو صالح عن "حروب" في لبنان في "ظروف اقليمية ودولية" وعن "معاناة اللبنانيين الكثير من ويلاتها ومآسيها". يصدر كتابه، وبفضل جهود رفيقة عمره وامانتها ووفائها، في ظروف تحولات في المنطقة، اذ يوفر جواباً على تكهنات تستهدف النسيج العربي التعددي فيبرز لنا تالياً "دور الدروز في لبنان وسوريا وفلسطين ومواقفهم البطولية الى جانب مقاومتهم لمخطط التقسيم الذي ما زالت تسعى اسرائيل لتطبيقه من خلال الحروب الاهلية".
يطرح الكتاب "آفاقا جديدة للبحث"، مُركّزاً على "نضال الدروز المستمر في سبيل وحدة الاراضي في لبنان وسوريا"، ودورهم في تحقيق الاستقلال والدفاع عن الحرية الفردية واحترام حقوق المواطن، والعمل على الاصلاح السياسي والاجتماعي، وتمسكهم بـ"كيان لبنان المستقل دون دمجه كلياً او جزئياً "، ومشاركة الدروز، بخاصة في معارك المالكية التي اسفرت عن نصر عسكري على الدولة الصهيونية "رغم امكانات الجيش المتواضعة"، واهمية تمسك دروز فلسطين بارضهم. 
يعتمد الكاتب على مصادر موثقة وغالباً اولية. اما غايته فيذكرها كالتالي: "بناء لبنان جديد، لبنان عربي ديموقراطي علماني موحد (...) والتقدير للأعلام والرموز الذين خدموا التاريخ."
تبرز من خلال الوثائق والاحداث الممتدة ان "علاقة الدروز بالطائفة اليهودية لم تكن دائماً ودية وسلمية". ولم يكن الدروز "اقل وعياً للخطر الاستيطاني الصهيوني". وساهم تالياً "دروز سوريا ولبنان في دعم ثورة القسّام التي لا تقل شأناً عن مساهمة سائر القوى الوطنية في المشرق العربي". 
تعبر الوثائق الصهيونية بوضوح عن "الجهود التي بذلها قادة الصهاينة في فلسطين لوقف ومنع المجاهدين الدروز من الالتحاق بالثورة الفلسطينية 1936-1937". وتجاه مساعي التجزئة وتقسيم الكيانات العربية اتخذ الدروز "الموقف الوطني الصارم". ويذهب الكاتب الى ابعد من ذلك فيقول: "تقضي الامانة ان من اختار البقاء في فلسطين قد فعل خيراً للوطن، لأن من مصلحة اسرائيل هدم الكيان اللبناني". هل تتباين بين المذاهب هذه العلاقة العدائية مع الصهيونية؟ تظهر الوثائق الصهيونية "عدم ثقة الصهاينة بأية طائفة عربية في فلسطين بما فيهم الدروز". 
 
ويورد المؤرخ تقريراً جاء فيه: "اننا لا نستطيع تجاهل ولو للحظة واحدة تجربتنا ومعرفتنا للدروز والمسيحيين، انهم بهذا لا يختلفون عن المسلمين بل ربما كانوا اسوأ منهم". شارك الدروز في ثورة فلسطين (1935-1939) وقاوموا مخطط التهجير من منطقة الجليل وقاوموا شراء ما امكن من الاراضي في القرى والبلدات الدرزية في جوار حيفا والجليل. وطالب سلطان الاطرش ان يكون في عداد جيش الانقاذ عدد اكبر من المتطوعين الدروز. وفي اذار 1948 دخلت مجموعة شكيب وهاب الى منطقة الجليل في فلسطين ونزلت في بلدة شفاعمرو.
ما هو واقع الدروز في سوريا؟ شغلت زعامات درزية لبنانية كالامير عادل ارسلان وعارف النكدي وغيرهم مراكز مهمة في حكومة العهد الاستقلالي الاول في سوريا. يقول عباس ابو صالح: "ان موقع الدروز في سوريا ورغم اسهامهم الكبير في العمل الوطني بقي ثانوياً والى الحد الذي خابت معه آمال الوحدويين ولاسيما وهم الذين سبق ان ناضلوا من اجل وحدة الوطن السوري خلال عهد الانتداب". تاريخ الدروز في سوريا حافل بالتضامن الانساني. خلال 1939-1943 قام الامير مجيد ارسلان بزيارة لجبل الدروز في حوران في هذه الفترة الحرجة بهدف ارسال مزيد من القمح. وبادر بدوره كمال جنبلاط الى "توزيع محصول املاكه من القمح على المحتاجين خلال الحرب مساهمة منه بتخفيف هذه الازمة التموينية".
لا يخفي المؤرخ صمت البعض خلال مرحلة 1939-1942: "البعض الآخر ظل صامتاً وكأن لا موقف له". ويقول في مجال آخر: "ان حياد جبل الدروز كما حياد سائر الوطنيين في سوريا ولبنان لم يكن على ما يبدو مضموناً في نظر الحلفاء من دون رشوة سياسية او ثمن ما يجب تقديمه للقوى الوطنية". ويذكر ايضاً : "ان تعاون هؤلاء الافراد الدروز مع الصهاينة وانشاء وحدة عسكرية خاصة بهم في ما بعد لم يلق اي يوم قبولاً اجماعياً من دروز فلسطين". اما عن عزوف قسم آخر من شباب القرى الدرزية في الجليل الاعلى عن الانضمام الى جيش الانقاذ يومذاك فيعزو ذلك الى فقدان هؤلاء للشعور القومي العربي".
ما يستوقف في الكتاب الكلام عن شخصيات درزية مرموقة بخاصة كمال جنبلاط الذي "اخذ يمثل دوره الرائد في الاصلاح السياسي خلال عهد بشاره الخوري (...) متجاوزاً اي دور طائفي لخدمة مصلحة الدروز دون غيرهم (...) كان الشاغل الاساسي لكمال جنبلاط في مرحلة الاستقلال وخلال عهد بشاره الخوري بالذات الاصلاح السياسي وبالتالي الاهتمام بشؤون طبقة العمال والفقراء في المجتمع اللبناني بأسره والتي لا تنحصر بالطبع بالموحدين الدروز او بطائفة معينة في لبنان". وللامير مجيد ارسلان دور رائد في معركة المالكية.
ومن الشخصيات الدرزية البارزة التي يذكرها المؤلف فريد زين الدين ومحمد علي حماده وفؤاد ورشيد ارسلان وسلطان الاطرش... الدروز في فلسطين وسوريا ولبنان استقلاليون ومدافعون عن السيادة والاستقلال. يقول عباس ابو صالح: "كانت غالبية درزية في جبل لبنان تميل ايضاً الى معارضة مشروع سوريا الكبرى، وكذلك مشروع الهلال الخطيب".
ما هو موقع الدروز في التوازن اللبناني؟ يذكر المؤلف ان مسألة تأليف حكومة احمد الداعوق في نيسان 1941، والتي لم يتمثل الدروز فيها كعادتهم، اثارت نقمة الرأي العام في مختلف المناطق الدرزية، وقدم وفد درزي برئاسة الامير مجيد ارسلان وحكمت جنبلاط – ممثل الست نظيرة جنبلاط على الصعيد السياسي - احتجاجاً بشأن حرمان الدروز في لبنان من هذا التمثيل للمندوب الفرنسي الجنرال دانتز. واذ عمد المندوب الفرنسي لتبرير الحرمان بتعيين احد وجهاء الدروز، شفيق الحلبي، محافظاً على مدينة بيروت فإن زعماء الطائفة لم يقبلوا بهذا التبرير. وسبق ان اثار الامير مجيد ارسلان موضوع مشاركة الدروز في مجلس النواب في نيسان 1937. 
ويذكر نشاط السفير سبيرز بعد اجتماعه بالبطريرك الماروني ومن ثم بمفتي الجمهورية اللبنانية وصولاً الى التسوية المقبولة وهي المعروفة بصيغة ستة نواب مسيحيين لكل خمسة نواب من المسلمين اي ما يعرف بالقاعدة الاحدى عشرية. 
عن مشاركة الطوائف في الحكم ومشاركة الدروز بشكل خاص يذكر الكاتب عدم معارضة النائب جميل تلحوق عند مناقشة الدستور تضمينه المادة 95 التي تنص على تمثيل الطوائف اللبنانية بصورة عادلة في الوظائف العامة، وذلك – كما يذكر عباس ابو صالح – "من باب الواقعية السياسية ايضاً " وبسبب "خشية النائب جميل تلحوق من هيمنة الطوائف اللبنانية الكبيرة على الاقل عدداً كالطائفة الدرزية".
ماذا يقول الكاتب عن ولادة الاستقلال اللبناني والميثاق الوطني؟ انه يصف الميثاق اللبناني كالتالي: "الميثاق الوطني هو عبارة عن اتفاق عملي للعيش المشترك بين مختلف الطوائف اللبنانية في وطن واحد".
رفض الدروز دائماً التدخل الاجنبي: "ان تعطيل بناء الدولة الحديثة والمجتمع اللبناني الموحد في ولائه للوطن، لم يكن بعد قيام الميثاق الوطني فحسب، بل بسبب اسرائيل وضربها للصيغة الوطنية اللبنانية الناقضة لأسَسِها مما جعل البلد يسقط في مستنقعات الحرب الاهلية ومضاعفات الاحداث الاقليمية التي كانت تنفخها الدول الكبرى واسرائيل".
كتاب عباس ابو صالح هو مساهمة ضرورية ومفيدة كي يعرف اللبنانيون الدروز واللبنانيون عامة انفسهم حسب تعبير كمال جنبلاط في كتابه: "من اجل لبنان"، اذ يقول كمال جنبلاط: "لبنان اكثر من دولة، إنه بلد أعظم تنوع ثقافي، وكان يمكن ان يكون اكثر غنى، وبما لا يقاس، لو انه عرف نفسه. كان بوسعه حقاً ان يعطي العالم امثولة، وان يكون وطن التوفيق بين الثقافات، ورمزاً ضرورياً اكثر من مفيد، لانه إنساني حقاً ، ولكُنّا أعطينا معنى جديداً للمساكنة الإنسانية، وقدمنا للمجتمع الحديث مثلاً عن جماعة مختلفة، ليست مجرد حشد من الأفراد على الطريقة الغربية، بل تجمع من الثقافات، او قل "عصبة امم" صغيرة".
ان التواريخ المحلية وتواريخ الطوائف والمذاهب في لبنان، اذا ما قوربت بأمانة، تُظهر بوضوح ان تاريخ كل طائفة في لبنان – الا في الشؤون الفقهية واللاهوتية – هو اولاً تاريخ مساهمة مُميزة في البناء الوطني العام، وهو ثانياً تاريخ تواصل وتفاعل. لا نخشَ تالياً من تنمية التواريخ العائلية والمحلية والمناطقية والمذهبية... في لبنان لانها تساهم في ادراك الانجازات المشتركة وفي مصالحة ذاكرات فئوية مكبوتة في اللاوعي، في حين ان ذاكراتنا في لبنان، البلد الصغير ذي الدور الكبير، هي غالباً وواقعياً متناغمة ومتواصلة ومتفاعلة.
 
 
عضو المجلس الدستوري
استاذ جامعي 
الغاء الطائفية السياسية التي هي السبب الجوهري في تأخر البلاد.      اعتبار الرشوة في الانتخابات جناية والتشدد في معاقبة مرتكبيها.       اخضاع النائب لمراقبة ديوان المحاسبة بالنسبة لموارده ومصاريفه، ولمحكمة الاثراء غير المشروع لتأكيد صفة النزاهة      عدم الجمع بين الوزارة والنيابة ، واسقاط النيابة عن كل من يتولى الوزارة.      وضع قانون يحدد سن تقاعد النواب عند الرابعة والستين لتمكين الجيل الجديد من الدخول والتمثل ، دورياً في المجلس النيابي.   
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous