2/28/2012
الثورات العربية إنتصار للإسلاميين ام تأزم الآخرين
بقلم منير بركات
نشرت في جريدة "الأنباء" في 28 شباط 2012 بقلم الأستاذ منير بركات (رئيس الحركة اليسارية اللبنانية)

إن الإيديولوجية الإسلامية التاريخية والفكر الإسلامي بتياراته المختلفة لا سيما حركة الإخوان المسلمين بالرغم من المراحل القاسية التي مرّت بها لم تستأصل في يوم من الأيام في العالم العربي المعاصر، وإذا كانت اليوم تشغل العالم وتتظهر صورتها في ظل الثورات العربية ونتائجها بوصولها إلى السلطة وحضورها القوي في الحراك السياسي والجماهيري ويبدو بأنها باتت المسيطر الأوحد دون منازع، كل هذا ليس لأنها تغلبت على أزمتها الخاصة، بل يرجع إلى أن التيارات الفكرية الأخرى ليبرالية كانت أم قومية أم ماركسية متأزمة.

إن المظاهر التي توحي بسيطرة الثقافة الإسلامية لم تعدّ الثقافة السائدة في المنطقة إلا في ممارسة الطقوس الشكلية، بينما السيطرة الحقيقية هي الثقافة الرأسمالية على الواقع الإجتماعي، وهي تحكم الحياة اليومية والحياة السياسية على السواء بما فيها الإقتصاد الخاضع للرأسمال واقتصاد السوق والملكية الفردية. إن الحركات الإسلامية في أفضل صورها لم تخرج عن هدفها في العودة إلى "الأصول" إرتباطاً بخلفيتها القائمة على التوفيق بين "العقل والإيمان" وعدم الفصل بينهما دون تعارض بينما هو شرط من شروط الحداثة والتطور. إن الإنفصام الثقافي الذي يعيشه العالم العربي والذي يتجلى في سيطرة الثقافة الرأسمالية بصورتها الهزيلة من جهة وفي بقاء مظهر الثقافة القديمة بسلفية طقوسية من جهة أخرى فهذا الخليط يلبي إدارة شؤون رأسمالية من النوع الرخيص والسيء.

إن الفكر النازع إلى الحداثة في العالم العربي، هو الإهتداء "واللحاق" بالغرب المتقدم النمو على قاعدة مشروع للبرجوازية الوطنية مع الأخذ بعين الإعتبار بمراعاة الخصوصية الوطنية والدينية، إن فشل هذا الفكر بعد تشكله في وقت مبكر أي في القرن التاسع عشر بالرغم من إيجابياته في تبني الحرية الفردية، الكفاءة، العلوم، الديمقراطية، لم يلحظ أن التماهي مع النموذج الأوروبي تنطوي على التشكيك في الإيمان أو في استخدام اللغة، إن إعاقة هذا المشروع كمشروع للرأسمالية الوطنية النازع إلى الحداثة الذي اصطدم بالثقافة التقليدية القائمة، بالإضافة إلى الرأسمالية القائمة التي تمنع تحول الأطراف إلى مراكز جديدة. وقد تجلت قوة المشروع بشجاعة وجدية بنبذه الشكل السلفي والطقوسي للدين بشكل صريح بوصفه متعارضاً مع التحديث.

إن نقطة الضعف في المشروع هو التطور الرأسمالي بغياب برجوازية وطنية حقيقية وذات وزن لتستطيع النهوض بالمشروع بالإضافة إلى خضوع الفلاحين الأغنياء والتجّار وعدم مواكبة المثقفين الذين نهضوا بالمشروع الهادف إلى الحداثة، فقبلت هذه الطبقة أن تخضع للسلطة الإجتماعية للديانة الطقوسية وللإستبداد السياسي والسيطرة الإجنبية. إن فشل التحديث الإسلامي، وبقاء الإسلام في الواقع الإجتماعي ممارسة سلطة طقوسية ليس إلاّ، بالرغم من محاولات محمد عبده ورشيد رضا أو مشروع الطهطاوي إلى طه حسين الذي كان أكثر جرأة باتجاه تأسيس سلطة إجتماعيةعلمانية.

لقد استنفذت هذه المحاولات التي كانت نخبوية دون استنادها إلى فئات إجتماعية واسعة واقتصرت على عدد من المثقفين. إلى مفكرو الإخوان المسلمين ذات التأثير الغالب لدى عامة الجمهور مثل حسن البنا والمعاصر السيد قطب الذين دعوا إلى العودة إلى الحكم الإسلامي السلفي الطقوسي السائد في الإمبراطورية العثمانية أبان عصر الإنحطاط. مجمل هذه الحركات الإسلامية فقدت زخمها وتركت فراغاً مهيئاًإبتداءً من الخمسينات، ليحل مكانها المشروع الناصري- البعثي لتحديث الدولة، المرتبط بنفس هدف "اللحاق" بالغرب ومحاكاته وبالتالي إدانة هذا المشروع بديمقراطيته المقنّعة وظلمه الإجتماعي وخضوعه لنظام الرأسمالي العالمي. وهو الذي أراد تقديم نفسه ببعض الإنجازات مثل الإصلاح الزراعي والتعليم والعمالة والتصنيع وفرض الرقابة الوطنية على النظام الإجتماعي عن طريق التأميم، ورفع شعارات إستقطابية مثل وحدة الأمة العربية، التطور الإقتصادي في ظل العدالة الإجتماعية (على طريق الإشتراكية(، والإستقلال في العلاقات الدولية، وبقيت هذه الشعارات تجريبية لا تتصدى لأي منها كطبيعة النظام الرأسمالي، ومسألة الدين والثقافة، والهدف الإشتراكي... إلخ. ومع ذلك كان المدافعون عنها يعتقدون بأن العمل لتحقيق هذه الأهداف يبرر اللجوء إلى ديكتاتورية الحزب الواحد، ولذلك رفضوا أن يمنحوا الجماهير حق التنظيم المستقل والتعبير عن رأيها.

إن تجارب تنفيذ المشروع البعثي- الناصري كانت متباينة في ما يتعلق بالمسألة الثقافية، في هذا المجال كانت الإيديولوجية البعثية علمانية بشكل صريح، وهي التي كانت إنتقاليةبإنفصام واضح، فلم يفكر إيديولوجيو المشروع في العقبة التي كان يمكن أن تمثلها الثقافة السلفية الطقوسية، وبالتالي لم يفكروا في ضرورة الثورة الثقافية بل وثورة فلسفية داخل الدين ذاته، وهي ثورة لازمة لعلمنة المجتمع. بهذا المجال اتخذت الدول البعثية موقف الخشية والخوف إلى أقصى حدّ. بالإضافة إلى ذلك إن الأساليب المعادية للديمقراطية التي اتبعت، متمثلة في حظر التعبير عن الفكر الحديث في شكليه البرجوازي الليبرالي والماركسي، ترك الساحة خالية أمام السلفية الدينية التي لم تختفي أبداً من المجتمع. بل إن التجربة الناصرية في هذا المجال كانت أكثر تخلفاً ولا شك بأن السبب في ذلك هو أن المؤسسة الدينية، ورمزها الأزهر، كانت دائماً شديدة البأس في مصر، فقد أعطى النظام الناصري الأزهر دفعة جديدة عن طريق "تحديثه" ولكن ماذا كان الثمن؟ لقد أصبح الأزهر آلة لصنع محاميين وأطباء وإقتصاديين ونصب نفسه محكمة تفتيش في الفكر والأخلاق، ولكن التجربة الناصرية كانت أكثر تخلفاً أيضاً، في مقابل خضوع الإخوان المسلمين لسياسة الدولة تركت لهم السلطة وهم التنظيم الحامل للفكر السلفي الطقوسي- إحتكار الخطاب الثقافي، فالناصرية لم تطرح في يوم من الأيام موضوع العلمنة بل بالعكس إتخذت خطوات إلى الوراء ولا سيما في مجال التعليم. وقد أثبت التاريخ أن هذا المشروع الطارئ التحديثي "سرعان ما فقد زخمه وانهار". إن هذا الفشل كان كامناً في طبيعة المشروع وهو الذي يفسر عودة السلفية بقوة إلى مقدمة مسرح الأحداث. لم يكن المشروع الناصري البعثي إلا تشابهاً مع النظام السوفياتي وهو الهدف الواحد المتمثل في "اللحاق" بواسطة سيطرة جهاز دولة وطني وغير ديمقراطي. إن الماركسية العربية التي شاطرت السلطة أسلوب الصمت تجاه الثقافة السلفية باستثناء نقدها لعدم إجراء إصلاحات جذرية بما فيه الكفاية، بالرغم من تعرضها للقمع بقيت مدجّنة مع المشروع التي اعتبرته قاعدة مساندتها والمصدر الرئيسي لتجنيدها في الفئات الوسطى ذاتها التي أنتجت المشروع الناصري البعثي.

"إن الإنتشار العالمي للرأسمالية" في واقع العولمة الرأسمالية التي غزت العالم ووحدته وأقامت لأول مرة في التاريخ نظاماً إقتصادياً واحداً، لكنها لم تخلق تجانساً، بل عملت في اتجاه تعميق التباين بين الأمم والثقافات. ليس هناك من معضلة عند الولايات المتحدة الأميركية أن يكون أياً كان في هذه السلطة أو تلك بشرط أن يكون في خدمة إقتصادها ومصالحها، وأن يكون العالم الحديث واحداً ومتنوعاً في آن معاً، لا سيما ما أنتجته الثورات العربية وما ينتظرها من تسلق الإسلاميين إلى السلطة في ظل أزمة التيارات الأخرى، إن الولايات المتحدة الأميركية تعتبر أن تعويم الإسلاميين خاصةً المعتدلين منهم يلمع صورتها أمام المسلمين ويعطيها صك براءة، وتضعهم في مواجهة التطرف الإسلامي "القاعدة" ويشكل الإسلام في نظامهم السياسي صداماً لاحقاً مع الشباب الذين شكلوا ويشكلوا الجسم الأساسي للثورات العربية وبالتالي عجز الأنظمة الإسلامية من تحقيق الطموح في معالجة القضايا المختلفة خاصةً مسألة الإنماء، وبالتالي تصبح هذه الأنظمة الممرّ الإجباري في خلق حالة للمطالبة بالتشابه في أسلوب الحياة الأميركية.

إن حركة الإخوان المسلمين في سوريا تكتسب أهمية بسبب قدمها النسبي حيث تعود إلى أربعينات القرن الماضي وتميّزت بارتباطها الوثيق بطبقة التجار وكبار الملاّك، كما تركز صراعها بشكل رئيسي ضد الحركات القومية، وضد الشيوعيين، وكان الإخوان في سوريا في إحدى المراحل ممثلين في البرلمان الأمر الذي لم يسبقهم إليه أي من التنظيمات المماثلة في دول أخرى. وتبقى النقاشات حول الديمقراطية والمشاركة مسألة مطروحة داخل الحركة. لقد تميزت التجربة الإسلامية السورية أيضاً بالتنوع بين تيار معتدل لا يريد الصدام ولا يحبذ القفز إلى السلطة بالقوة وبين تيار عنيف اندفع إلى صدام دموي مع السلطة الحاكمة ونتج عن ذلك مجازر دموية، وكان البعد الطائفي حاضراً في كل مواجهة. لقد خرجت من عباءة الحركة الإسلامية السورية منظرون جهاديون، ومقاتلون تحت راية عولمة الجهاد، أمثال أبو مصعب السوري، فضلاً عن تمايز التجربة السورية بموجات من "الهجرة" بعد كل مواجهة اضطرت إليها الحركة الإسلامية والتي تأثرت بروافد فكرية وتنظيمية، والتي أحدثت إنشقاقات في صفوفها وفي داخلها.

وثمة تجربة أقرب دون شك إلى عالمنا العربي لإجراء المقارنة. فمن المفيد أن نرى كيف تم في تركيا الحديثة تطور العلاقة بين الثقافة والمشروع المجتمعي. ذلك أن تركيا هي البلد الوحيد الذي يدين بالإسلام الذي حسم الإختيار لصالح علمانية ذات نبرة مناهضة للدين، منذ أتا تورك. إن الفصل بين العقل وما ينتجه من قوانين وضعية لإدارة شؤون البلاد وبين الإيمان كشرط من شروط نجاح أي نظام. إن الأنظمة السياسية العربية التي مارست الظلم والقهر والإفقار بحق شعوبها، وعجزها عن معالجة المشاكل الإقتصادية والتنموية وإنهزامها أمام المشروع الصهيوني، وفي ظل ميزات العصر ووسائل الإتصالات الحديثة،إنفجرت شعوبنا موحّدة حول شعارات الديمقراطية وتداول السلطة، بالرغم من تنوع الإنتماءات الإيديولوجية والسياسية والتي تمّ تذويبها ظرفياً في ظل الثورات العربية من أجل مواجهة أسوأ نماذج لأنظمة لم تعد تطاق أو تحتمل، ليتبين للمرء بأنه لا يمكن أن يأتي نظام أسوأ من هذه القائمة، التي لم تتوقف عند أي سقف في ممارسة القمع ومصادرة إرادة شعوبها لا سيما النظام السوري الذي أصبح على حافة الهاوية وفي عين عاصفة الثورة التي لم يعد يخيفها التلويح ببديل حركة الإخوان المسلمين وهي الحركة التي قدمت نفسها منذ سنة 2000 من خلال "ميثاق شرف" في التخلي عن العنف والدعوة لتداول السلطة وبناء دولة مدنية حديثة، بالإضافة إلى وجود تيارات إسلامية معتدلة وتيارات شعبية ليبرالية وشبابية في قلب الثورة، ولتأتي وثيقة الأزهر الأخيرة الغير إقصائية الداعية إلى المواطنية تعزيزاً للإعتدال الإسلامي في العالم العربي.

ولتفسيرصعود الحركات الإسلامية السياسية في الدول العربية، لا بد من العودة لفهم بداية أزمة القومية العربية وأزمة الماركسية العربية وباقي فصائل ما أتفق على تسميته حركة التحرر الوطني العربي



 

http://www.psp.org.lb/DesktopModules/DnnForge%20-%20NewsArticles/Print.aspx?tabid=107&tabmoduleid=635&articleId=68817&moduleId=411&PortalID=0
الغاء الطائفية السياسية التي هي السبب الجوهري في تأخر البلاد.      اعتبار الرشوة في الانتخابات جناية والتشدد في معاقبة مرتكبيها.       اخضاع النائب لمراقبة ديوان المحاسبة بالنسبة لموارده ومصاريفه، ولمحكمة الاثراء غير المشروع لتأكيد صفة النزاهة      عدم الجمع بين الوزارة والنيابة ، واسقاط النيابة عن كل من يتولى الوزارة.      وضع قانون يحدد سن تقاعد النواب عند الرابعة والستين لتمكين الجيل الجديد من الدخول والتمثل ، دورياً في المجلس النيابي.   
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous