5/8/2017
غسان شربل: أينَ كنتَ في الحرب؟
عبد الرحمن مظهر الهلوش
جريدة النهار

 ننشر هذا النص بعد اختيار نادي دبي للصحافة العربية الزميل غسان شربل شخصية العام الإعلامية العربية. وفي هذه المناسبة هنا إضاءة على أحد نتاجاته الرئيسية.  

 
يُعَدُّ كتاب الصحافي والمحلل السياسي غسان شربل (أين كنت في الحرب - دار رياض الريس) واحدا من المراجع المهمة لقراءة ابعاد الحرب الأهلية اللبنانية. واللافت في الكتاب ان شربل يتناول قصة الحرب الأهلية في لبنان، عبر لقاءات مطولة وصريحة مع أمراء تلك الحرب، وعندما نستذكر تلك الحرب بفصولها وأبطالها ليس من أجل جعلها ذكرى سنوية إنما من أجل أن نتفادى حصولها ليس في لبنان بلد الحريات ولكن في كل ربوع الوطن العربي.
 
كان لبنان يحلو لـه عبر السنين أن يدعي دائماً إنه أكبر من حجمه وظل لبنان حتى بداية الحرب الأهلية يستمتع بهذا الدور، مدعياً، في صيغة التكرار والتشديد أن مساحته السياسية تفوق بكثير تلك العشرة آلاف وأربعمائة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً التي يتمدد عليها بين الساحل والجبل. لبنان هو ذلك الجزء من المنطقة التي بقيت في ظل السيطرة التركية منذ عام 1516 وحتى عام 1918 وإن هذه البقعة من الأرض لم تعرف بعض الاستقلال الذاتي إلا بعد الحوادث المشؤومة التي وقعت عام 1860، من ثوابته المحافظة والتفاعل وقد عرفه الباحث الفرنسي الجنرال بيار روندو (Pierre Rondot) بـ"جبل حط في البحر، لذا فقدره ملاذ وانفتاح".
 
استطاع غسان شربل في كتابه (أين كنت في الحرب) استدراج شخصيات لبنانية كان لها دورها في حرب شغلت الدنيا والناس والحديث بشكل موسع عن مرحلة غامضة لكثير من المتابعين للوضع اللبناني.
 
يبدأ شربل في مقدمة الكتاب قائلاً: أحفر في منجم الحرب، أحاول استدراج اللاعبين إلى الكلام. علناً نقرأ. علنا نتعظ ونندم. إنها حكايات الحرب. قد تكون مفيدة لمن عايشوها أو لمن ولدوا بعدها.
 
يسأل غسان شربل إيلي حبيقة: قُتِلَ بشير الجميل في العام 1982 وتردد آنذاك أنك أُخضعت للتحقيق؟. "هذه شائعات مصدرها أمين الجميل، أجابه حبيقة، فبعد اغتيال بشير أوقفنا أشخاصاً مشبوهين واستجوبناهم وكانت الشبهة الأكبر تدل على حبيب الشرتوني".
 
من نفذ صبرا وشاتيلا سؤال وجهه شربل إلى حبيقة؟ يجيب حبيقة: "أعتقد بأن خدعة أساسية حصلت هنا، أُخذت مجموعة من "القوات" ووضعت في المطار ولم يتحدثوا معهم عن موضوع المخيمات بل عن دخول بيروت".
 
يصف سمير جعجع خصمه في القوات اللبنانية إيلي حبيقة: "كنت أعرف أنه غير قادر على القيام بشيء على المدى البعيد".
 
وعن أمين الجميل: "لقد تحملنا الكثير من تشاطره وألاعيبه. إنني أسأل: هل هناك من هو أسوأ منه وأصعب... لقد حاول أمين أن يلغينا سياسياً، ويمكن جرّب أن يلغينا جسدياً مرات ومرات" "ص140". ويضيف"انتخب أمين رئيساً للجمهورية، وراح يلعب بالسياسة. يسرح بين الأميركيين والإسرائيليين والسوريين وكل العرب".
 
وأما العماد ميشال عون يقول عنه جعجع: "ميشال عون فعلت المستحيل لأتعايش معه".
 
وحول بدايات اهتمام جعجع بالسياسة: "ذات يوم، دخلت على والدي في مناقشة حادة. فقال لي: ماذا تريد من الأحزاب؟ وماذا سيحصل لك بسببها؟ وقال: "بكرا بتموت بالحرب، وبدي إفهم شو بدك تعمل من ورا هالنشاط، ولوين بدك توصل؟". فأجبت: "بدي أعمل رئيس جمهورية".
 
يحاول جعجع نزع الصفة الإجرامية عن أحداث إهدن من خلال إعطاء مبررات بأنها كانت دفاعية أكثر منها هجومية: "أن المواجهة التي حصلت لم تكن مواجهة بين حزب الكتائب وإهدن بل كانت مواجهة محدودة بين الكتائب وجماعة سليمان فرنجية""ص147". ويؤكد جعجع:"صباح 13حزيران/يونيو، وفي الرابعة فجراً، انطلقت العملية، لم يمر ببال أحد أن النائب طوني فرنجية هناك. لم يكن هو مقصوداً. لم يكن وارداً، لا خطفه ولا التعرض له""ص156".
 
ويؤكد جعجع أن حزب الكتائب: "تمدد ولاقى قبولاً طبيعياً لدى زعماء العائلات، من جبران طوق وقبلان عيسى الخوري وجورج ضو إلى سايد عقل وسمعان الدويهي ورينيه معوض".
 
وحول الصراع بين الكتائب والقوات:"تمسك سليمان فرنجية بشرط قال أن لا عودة عنه، وهو إلغاء الكتائب في الشمال""ص153". وقد جاء مقتل جود البايع شبيهاً بالصاعقة - حسب جعجع - في كل أوساط الحزب. ويضيف جعجع "كلفني الشيخ بشير بقيادة المنطقة وقال"بدك تروح عالشمال وتستلم قيادة المنطقة حتى نعمل هالمواجهة، ولما بتخلص، بترجع تروح على شغلك".
 
وعن بداية التخطيط لإزاحة أمين الجميل وميشال عون، "ليس صحيحاً أن لدي مشكلة في القدرة على التعايش مع الآخرين. لقد تعايشت مع أمين الجميل، ومع الجنرال عون، ولكن ماذا تفعل حين اختار أمين، وفي آخر لحظة من عهده، أن يزرع عون في الحكومة العسكرية، لينفجر هذا اللغم لاحقاً بـ(القوات) وبالبلاد معا".
 
من شخصيات كتاب شربل وليد جنبلاط. يصف وليد جنبلاط، الرئيس الياس سركيس: "الرجل آدمي، لكنه كان أسيراً للمحيطين به، بشير الجميل من جهة وجوني عبده (مدير مخابرات الجيش اللبناني آنذاك) من جهة أخرى. كان من المستحيل على سركيس الخروج من هذه المعادلة التي تكبله... كان أسير معادلة داخلية".
 
وعن علاقته مع بشير الجميل: "لم تكن هناك محبة شخصية ولا سياسية. تماماً كما كان الأمر بين كمال جنبلاط وبيار الجميل وبيننا وبين حزب الكتائب، والأمر نفسه بيني وبين بشير الجميل".
 
وعن جعجع: "تاريخياً ليس هناك بيننا وبينهم لا المودة ولا المحبة ولا اللقاء السياسي".
 
وجواباً عن سؤال طرحه شربل، ما الذي أوصل الموارنة إلى وضعهم الحاضر؟: "الأخطاء التي ارتكبها قادتهم منذ عهد المتصرفية إلى تاريخ توقيع اتفاق الطائف. إنها أخطاء الحكم الماروني وأخطاء الحاكم الماروني والإصرار على رفض الخيارات الواقعية والدخول في مشاريع لم يكن ممكناً أن تؤدي إلاّ إلى ما أدت إليه...
 
وعن شعوره لحظة تبلغه خبر اغتيال بشير الجميل: "بالارتياح. لنكن صريحين، المسألة أعطتنا معنويات وطحشنا".
 
يؤكد جنبلاط أنه تعرض لمحاولات اغتيال عديدة: "التفجير الوحيد الذي استهدفني عندما فجر أمين الجميل السيارة (في بيروت) وكان إيلي حبيقة هو المدبر آنذاك وهو الذي أخبرني" "ص286".
 
أما جوني عبده مدير مخابرات الجيش اللبناني يصفه جنبلاط: "كان من ضمن فريق خطير وملفه كبير سياسياً وأمنياً" "ص291".
 
ويتحدث عن فؤاد بطرس "فهو رجل محترم. متشائم تاريخياً ومعه حق. وله وجهة نظره".
 
وغسان تويني"من الرعيل الأول السياسي والصحافي الكبير. قلم صريح حتى وإن لم تتفق معه" "ص291".
 
وكميل شمعون"خصم لدود في السياسة، كنا نحترمه ويحترمنا" "ص293".
 
وعن تركيبة الجبل يقول جنبلاط: "الجبل دليل على التعايش. لكن التعايش انهار بسبب سياسة بشير الشهابي وسياسة الكنيسة المارونية، وهم بالاتفاق معه ركبوا رأسهم ومشوا في مشروع الدويلة المسيحية وحرب 1860 وأتوا بالفرنسيين. هناك تشويه كبير للتاريخ" "ص292". ففي مؤتمر الصلح في فرساي - لاحظنا مدى الضغط الذي مارسته القوى (المارونية) برئاسة البطريرك (الحويك)ومطران الروم الكاثوليك كيرللس المغبغب، تكبير المتصرفية عن طريق الدعم الفرنسي. ومدى التأثير الذي مارساه على الرأي العام والساسة الفرنسيين.
 
وحول مستقبل المنطقة والأقليات يقول جنبلاط: "إذا دخلنا في لعبة الأقليات نجد أنفسنا أمام حروب أهلية لا تنتهي في المنطقة".
 
وعن دور الموارنة: "أكبر غلطة هي أنهم لم يقدّروا مطالب اليسار اللبناني والمسلمين وضرورة المشاركة وتنمية المناطق. من هذا الغباء دخل العامل الفلسطيني والسوري والسوفياتي والفرنسي والإسرائيلي والعراقي" "ص308".
 
أما عن الشهابية "بدأت متقدمة وانتهت متخلفة أيام شارل حلو" "ص320". ولكن كانت فترة رئاسة الجنرال شهاب (1958م - 1964م) فترة استقرار لكل المؤسسات اللبنانية وخصوصاً المؤسسة العسكرية، واستطاع أن يضمن تأييد المسلمين والمسيحيين على السواء.
 
لقد كانت الولاءات السائدة في لبنان خلال مراحل طويلة من تاريخه السياسي الممتد من حكم الأمير فخر الدين المعني الثاني لجبل لبنان (1590 - 1633) إلى صدور الميثاق الوطني في عام 1943م مروراً بأخطر مرحلة في تاريخ لبنان الحرب الأهلية (1975 - 1989) ولاءات غير وطنية أي طائفية وعشائرية وحزبية وفردية.
 
وعن علاقته مع ريمون إده يؤكد جنبلاط: "لذيذ. رجل مرتب. نزيه. آدمي. على طريقته. لم يؤلف ميليشيا ولم يتعاط الدم ولم يتعاط مع إسرائيل. ألا يكفي".
 
نصل إلى العماد ميشال عون الذي يصفه أحد كبار العسكريين اللبنانيين وأحد الخصوم الألداء للجنرال "لقد سقط ميشال عون ضحية حلمه بالرئاسة وضحية هؤلاء الذين راحوا يصفقون له لفرط يأسهم من السياسيين ولشدة حنينهم إلى دولة قوية". ويرد في الكتاب "أن تلك الدولة التي استقلت في 1943 حملت عطباً رافقها منذ الولادة" "ص373".
 
استطاع غسان شربل ببراعة إعطاء القارئ فكرة ما قبل الحرب الأهلية التي شكلت منعطفاً حاسما ولاتزال في تاريخ لبنان، فنلاحظ: كان موارنة لبنان يميلون إلى فرنسا، والأرثوذكس روسيا القيصرية، والدروز يتعلقون بالإنكليز، والبروتستانت بالأميركيين والإنكليز على السواء، والشيعة يلتفتون إلى إيران والسُّنة يميلون إلى تركيا، ونلاحظ أن أساس ذلك هو مذهبي ضيق.
 
تأتي أهمية الكتاب من خلال الفهم العميق لطبيعة السياسة اللبنانية الداخلية والخارجية، عبر سلسلة كتب للمؤلف: (لعنة القصر، ذاكرة الاستخبارات، أسرار الصندوق الأسود)، استخدم فيها الأسلوب نفسه من خلال الغوص في المياه اللبنانية الراكدة. نعم نجح شربل في تأريخ حرب دامية ومعقدة بشخوصها وأهدافها. يشكل كتاب شربل وثيقة تؤرخ لمرحلة مهمة ليس في لبنان بل في منطقة الشرق الأوسط.
 
الغاء الطائفية السياسية التي هي السبب الجوهري في تأخر البلاد.      اعتبار الرشوة في الانتخابات جناية والتشدد في معاقبة مرتكبيها.       اخضاع النائب لمراقبة ديوان المحاسبة بالنسبة لموارده ومصاريفه، ولمحكمة الاثراء غير المشروع لتأكيد صفة النزاهة      عدم الجمع بين الوزارة والنيابة ، واسقاط النيابة عن كل من يتولى الوزارة.      وضع قانون يحدد سن تقاعد النواب عند الرابعة والستين لتمكين الجيل الجديد من الدخول والتمثل ، دورياً في المجلس النيابي.   
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous