6/20/2012
الثـورة والدسـاتير
بقلم فواز طرابلسي
جريدة "السيفر" 20 حزيران 2012

الانقلاب الذي قام به المجلس العسكري في مصر بواسطة «الاعلان الدستوري المكمّل»، بعد حلّ البرلمان ومصادرته سلطات التشريع والنقض، نبّه الى محورية المسألة الدستورية في جدل المحافظة والتغيير الجارية في المنطقة.
ثمة اجيال من العرب، ومن المعارضين، عاشت في ظل الاعتباط الاستبدادي فتعوّدت النظر الى الدساتير وما تحويه من حقوق وواجبات وحريات على انها من قبيل الحبر على الورق، وانه من السذاجة او العبث اللجوء اليها والاستنجاد باحكامها. الآن وقد جدّ الجد، نكتشف ان الحكٌام قد حاكوا بعناية دساتير على مقاسهم، والأهم ان التسلّح بالدستور والتلاعب به هو، منذ اندلاع الثورات، جزء اساسي من الوسائل التي تلجأ اليها قوى الامر الواقع، الداخلية والخارجية، للحفاظ على مواقعها في السلطة والتحكّم بها لحماية مصالحها.
يجب الاعتراف بأن الثوار ادركوا مبكرا أهمية المراحل الانتقالية وموقع الدساتير منها. وبينما المعارضات الرسمية تفاوض على حصة في الحكم، كان شباب الثورة (وبعض شِيِبها، امثال محمد البرادعي في مصر، مثلا) يرسمون خرائط طريق لتفكيك الانظمة الاستبدادية والانتقال الى اشكال من دولة القانون والديموقراطية. ومن نقاط الاستدلال على ذلك الطريق: عقد مؤتمر تأسيسي؛ تسليم السلطة للمدنيين؛ صياغة دستور جديد ديموقراطي يحوي ضمانات للحريات الاساسية؛ وبعد كل هذا يتم الانتقال الى الانتخابات. ناورت قوى النظام والردّة الداخلية والخارجية في الاتجاه المعاكس تماما: تنحّي الرئيس لنائبه (افشلها الثوار في مصر)، تشكيل حكومات جديدة (بمشاركة قوى من المعارضة التقليدية)، صياغة دستور مؤقت وجزئي (في مصر)، انتخابات نيابية ورئاسية، يليها البحث في الجمعية التأسيسية والصياغة الدستورية... الخ.
باختصار: انقاذ النظام في اساسياته، ثم البحث في تعديله وتغييره.
في سوريا، فُرضت «الاصلاحات» لتجديد النظام بالتوازي مع القتل، وجرى تتويجها بدستور عزز من الصلاحيات المطلقة لرئيس الدولة بدلا من ان يعدّل منها، وتولى هذا بدوره تعيين المحكمة الدستورية، بما ضمن تحكمه بالقضاء وبالدستور معا. ثم جاءت الانتخابات. ولم يحن بعد وقت الحوار، والقتل مستمر.

في اليمن، طُبّقت خطة تنحي الرئيس، تلاها تشكيل حكومة شاركت فيها قوى المعارضة التقليدية، قبل ان يعتلي «النائب» المقعد الرئاسي في انتخابات مبايعة، ولما يزل البلد ينتظر الحوار الوطني بين القوى المتنازعة وصياغة دستور جديد وقوانين انتخابية، وما اليها.
حقيقة الامر ان الدساتير تثير اسئلة حرجة تستفزّ المعارضين والثوار، على حد سواء، وحري بها ان تحفزهم على صياغة رؤاهم الشاملة بما يتجاوز الطابع السياسي - العسكري الغالب على الفكر المعارض، ناهيك بالممارسة. المطلوب رؤى تحيط بمشاكل البلاد تقدَّم لها مشاريع لا لبناء انظمة سياسية حقوقية وحسب، بل لبناء اوطان جديدة. والدساتير هي في نهاية المطاف التجسيد لتلك المشاريع والتوثيق لتعاقد جديد بين حكام ومحكومين من اجل تنفيذها.
لا شك في ان ما تحويه الدساتير يحكمه توازن القوى السائد او المستولد بين قوى التغيير وقوى الحفاظ على الوضع القائم، او قوى الردة على الثورة. ومغزى القول ان قوى الثورة فوّتت الكثير عليها لأنها لم تلجأ الى المؤتمرات التأسيسية والى صياغة الدساتير الجديدة بينما هي في أوج قوتها والنظام في أضعف حالاته. او فلنقل عكسا: ان قلب المعادلات الذي فرضته قوى الامر الواقع، والقوى الخارجية الداعمة، بات يفرض على قوى الثورة العودة الى نقطة البداية. وليست مصادفة ان تعود المليونيات الى ساحات الحرية والتغيير في مصر للرد على اصدار المجلس العسكري "الاعلان الدستوري المكمّل".
ليس غريبا ان تكون الدساتير موضع نزاع، في هذه المراحل الانتقالية بكل متعلقاتها من توقيت وهيئات صياغة ونصوص. ولقد نبّهت التجربة الى عدد من القضايا موضع نزاع تقع في صميم الهموم التغييرية وعمليات الانتقال.
موقع الشريعة من الدستور هو اولى المسائل. يجري توريتها تحت عنوان «الدولة المدنية» الذي تطرحه بعض القوى الاسلامية ويتواطأ معها ليبراليون وديموقراطيون ويساريون وتقدميون للتفلّت من الجهر بالـ«علمانية». بعلمانية او من دونها، لا يمكن تجريد مصطلح «المدنية» من دلالتين من دلالاته. الاولى، هي حصر سلطة التشريع بالهيئات المنتخبة من الشعب، وخضوع القوات المسلحة واجهزة الامن لمؤسسات السلطات المدنية. في الحالة الثانية، يصطدم شعار «المدنية» بالركائز العسكرية للسلطة في غير بلد عربي، ومصر في المقدمة. ويرتطم في الاولى بالحركات الاسلامية التي تريد تنصيب هيئات معينة غير صادرة عن الانتخاب الشعبي فوق الهيئات المنتخبة للبت في مواءمة التشريع مع الشريعة.
من جهة اخرى، يبدو انه لم يعد بدّ للدساتير من ان تتعرّض لمسألة هوية البلد والاعتراف بمكوناته جنبا الى جنب مع توكيدها على المساواة السياسية والقانونية بين المواطنين. ها هو الدستور المغربي يعترف، تحت ضغط الشارع، بالانتماءات المتعددة للمغرب وبمكونات شعبه المختلفة. وهي سابقة في الدساتير العربية خلال حقبة الثورات. سيجرّ الاعتراف بتعدد المكونات جملة من المسائل، ليست اقل منها شأنا ولا هي محصورة بالمغرب. نقصد الاعتراف بلغات اخرى الى جانب اللغة الوطنية (الكردية، الامازيغية... الخ)، او بالتساوي معها؛ او البتّ بتسمية الكيان او البلد (جمهورية عربية سورية ام جمهورية سورية؟) او بملامح ومعالم العلم الوطني (السجال الذي لم يحسم حول العلم العراقي، العلم الليبي الجديد، ارتفاع علم للمعارضة الى جانب علم النظام في سوريا... الخ.)

ثم ان موضوع تعيين الاعداء الوطنيين في الدساتير حري به ان يلفت الانظار هو ايضا. ليس تفصيلا، في هذه المراحل الانتقالية، انْ يرد او لا يرد في الدستور التونسي او المغربي او الليبي، مثلا، نص يؤكد ان اسرائيل دولة عدوّ. ففي ذلك الحد الادنى من موجبات الانتماء الى المنطقة تكمن ايضا الحدود الدنيا من المسؤولية تجاه الشعب الفلسطيني والنزاع العربي ـ الاسرائيلي. ومعلوم انه وردت على ألسنة مسؤولين في حركات معارضة اسلامية، وغير اسلامية، تصريحات مبكرة تتعلق بإسقاط الاشارة الدستورية الى اسرائيل. وفي المعنى ذاته، هل يعقل ان لا يرد في دستور سوريا الجديد اشارة الى احتلال اسرائيل الجولان، وتمسك الشعب السوري بحقه في تحريره؟
اخيرا وليس آخرا، المسألة الاقتصادية الاجتماعية. ان اغفال المعارضات مسائل البطالة والفقر وتنامي الفوارق الطبقية واستشراء الفساد والغلاء وتدهور اوضاع الارياف والقطاعات الانتاجية، لا يفقدها الصلة والمصداقية تجاه القوى الحية التي اطلقت الثورات اصلا ومصالحها وتطلعاتها الى التغيير. انه يفسح في المجال واسعا امام قوى الامر الواقع والردّة كي ترمي على عاتق الثورة والثوار عدم الاستقرار والمصاعب الاقتصادية والتردي الاجتماعي والامني، وتجيير كل ذلك لتغليب اولوية الامن، ونشر الفزاعات ضد اي تغيير، حتى لا نقول زرع الحنين الى عهود الاستبداد السابقة. من هنا، فإن تكريس الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في الدساتير موضع صراع محتدم اصلا، خصوصا بين من يريد تكريس دور الدولة في خدمة الاسواق ورأس المال المتعولم ومن يسعى لدولة تكون اداة تنمية وتوزيع عادل للموارد والثروات والخدمات.
ولا مبالغة في القول إن سجلّ نجاحات الثورات سوف يُقرأ في سطور دساتيرها، من الآن فصاعدا.
 

http://www.assafir.com/Article.aspx?EditionId=2180&ChannelId=52215&ArticleId=1899&Author=%D9%81%D9%88%D8%A7%D8%B2%20%D8%B7%D8%B1%D8%A7%D8%A8%D9%84%D8%B3%D9%8A
الغاء الطائفية السياسية التي هي السبب الجوهري في تأخر البلاد.      اعتبار الرشوة في الانتخابات جناية والتشدد في معاقبة مرتكبيها.       اخضاع النائب لمراقبة ديوان المحاسبة بالنسبة لموارده ومصاريفه، ولمحكمة الاثراء غير المشروع لتأكيد صفة النزاهة      عدم الجمع بين الوزارة والنيابة ، واسقاط النيابة عن كل من يتولى الوزارة.      وضع قانون يحدد سن تقاعد النواب عند الرابعة والستين لتمكين الجيل الجديد من الدخول والتمثل ، دورياً في المجلس النيابي.   
رابطة أصدقاء كمال جنبلاط ٢٠١٢، جميع الحقوق محفوظة
a website by progous